عثمان رضي الله عنه.. والقرآن

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس أنَّ حذيفة بن اليمان قَدِم على عثمان وكان يغازي أهلَ الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهلِ العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفةُ لعثمان: "يا أمير المؤمنين، أدرِكْ هذه الأمَّة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهود والنصارى"، فأرسل عثمان إلى حفصة: "أن أرسِلي إلينا بالصُّحف ننسخُها في المصاحف ثم نردُّها إليكِ"، فأرسلَت بها إليه، فأمر زيدَ بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف".

إنَّها بداية الانطلاقة وخطوة البداية لمصحَف الأمَّة الذي يتلوه أبناؤها كبارًا وصغارًا، نساءً ورجالاً حتى تقوم الساعة، قرآن نتعبَّد بتلاوته وحِفظه، ونَنْهل من علومه وأحكامه، فتبهرنا بلاغتُه وإعجازُه.

دعونا نتأمَّل في عثمان رضي الله عنه وعلاقته بالقرآن، لتبدأ قصَّته يوم أن كان صاحبًا لأبي بكر وطلحة والزبير، فيُسْلم الصديق أبو بكر ويُقبِل بأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم في أول بعثته ليعرض عليهم الإسلامَ، فيتلو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليهم القرآنَ ليستقرَّ في شغاف قلب عثمان من ساعتها، حتى قال فيه تلميذه أبو عبدالرحمن السلمي: كان عثمان لا يتجاوز عشرَ آيات حتى يحفظها، ويتعلَّم ما فيها، ويعمل بها، فتعلَّموا العلم والعمل معًا.

فحفظ القرآن حتى كان لا يفارِق حجره، فيُسأل عن ذلك فيقول: "إنه مبارك جاء به مبارَك"، وجلس ليكتب الوحيَ بين يدَي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تقول عائشةُ رضي الله عنها: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسند ظهرَه في بيته وأمامه عثمان ويأتيه جبريل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اكتب يا عثمان))، فما كان الله ليُنزلَ عثمان هذه المنزلةَ إلاَّ لأنَّه كريم على الله ورسوله.

لم يكتف عثمان رضي الله عنه بتعلُّم القرآن؛ بل جلس لتعليمِه، فهو مَن روى لنا ما جاء في الصحيح من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه))، فيتخرَّج على يديه تلامذة، منهم: "أبو عبدالرحمن السلمي، والمغيرة بن أبي شهاب، وأبو الأسود، وزِرُّ بن حبيش".

فيصبح القرآن جزءًا من حياته رضي الله عنه وأرضاه، فيقول: "لو طهرَت قلوبُنا، ما شبعَت من كلام ربنا"، ويقول: "إنِّي لأكره أن يأتي عليَّ يوم لا أنظر فيه إلى عهد الله (المصحف)"، ويقول: "حُبِّب إليَّ من دنياكم ثلاث: إشباع الجوعان، وكسوة العريان، وتلاوة القرآن"، ويقول: "خير العِباد من اعتصم بكتاب الله عزَّ وجل".

حتى جاءت خلافتُه التي لم تشغله عن القرآن؛ بل زادَت من تعلُّقه بكتاب الله سبحانه حتى قال الحسن البصري: "ما مات عثمان حتى خَلِقَ مصحفُه من كثرة ما يديم النظرَ فيه"، فيأتيه خبر حذيفة في اختلاف الأمَّة حول كتاب ربها، كلٌّ يقرؤه بلسان قومه، فيشكِّل لجنةً يرأسها زيد بن ثابت رضي الله عنه ومعه ثلاث من الصحابة الكرام، ويقول: "إذا اختلفتم في شيء فردُّوه على لسان قريش؛ فإنَّما نزل القرآنُ بلسانهم"، ليجمع المصحف الشريف فيُعرَض على عثمان في عرضته الأولى، فيقول: "إنِّي لا أرى فيه آيتين من كتاب الله، الأولى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23]، والثانية: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، فيبحثون عنهما فيجدونهما عند خزيمة رضي الله عنه، حينها يكتمل العقد ويتهيَّأ المصحف في نسخته الأولى ليُطبع عدَّة طبعات؛ نسخة إلى اليمن، ونسخة إلى مكة، ونسخة إلى البصرة، ونسخة إلى الكوفة، ويحتفظ رضي الله عنه بنسخة له في المدينة.

حتى قال الإمام ابن كثير - وهو من علماء القرن الثامن الهجري -: "رأيتُ مصحفَ الشام في جامع دمشق كتابًا عزيزًا جليلاً عظيمًا، بخطٍّ حسَن مبين قويٍّ، بحبر محكَم، في رَقٍّ أظنه جلود الإبل".

نعم، لقد أصبح القرآن هو الحياة لعثمان رضي الله عنه، حتى قال أهل السير: لقد رُوي من وجوه كثيرة أنَّ عثمان صلى بالقرآن كله في ركعة واحدة عند الحجَر الأسود في الحج، قال الإمام النووي: "ومن الذين كانوا يختمون القرآنَ في اليوم والليلة عثمان بن عفان رضي الله عنه".

فنال بذلك الشرفَ الرفيع في الدنيا قبل الآخرة؛ أما في الدنيا فيكفيه الشرف بلقبِه "ذي النورين" بتزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتَيه له، وأمَّا في الآخرة، فقد روى البزَّار بسنده أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم طلع على أصحابه ذات يوم فقال: ((رأيتُ اليومَ منازلكم في الجنَّة))، ثم التفت إلى عثمان فقال: ((يا عثمان، إنَّ لكلِّ نبيٍّ رفيقًا، وأنت رفيقي في الجنَّة)).

بشارات تلو بشارات:

((ما ضرَّ عثمانَ ما عمل بعد اليوم))، ((اللهمَّ إني رضيتُ عن عثمان؛ فارضَ عنه))، حتى جاءت ساعةُ موته والمصحف بين يديه، جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى أنه كان مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حائط من حيطان المدينة، وفي يد النبيِّ صلى الله عليه وسلم عودٌ يضرب به من الماء والطين، فجاء رجل يستفتِح، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((افتح له، وبشِّره بالجنة))، فذهبتُ فإذا أبو بكر رضي الله عنه، ففتحتُ له وبشرتُه بالجنَّة، ثم استفتح رجلٌ آخر، فقال: ((افتح له وبشِّره بالجنة))، فإذا عمر رضي الله عنه، ففتحتُ له وبشَّرته بالجنة، ثمَّ استفتح رجلٌ آخر وكان متَّكئًا فجلس، وقال: ((افتح له، وبشِّره بالجنَّة على بلوى تصيبُه))، فذهبتُ فإذا عثمان، ففتحتُ له فأخبرته بالذي قال: فقال: "الله المستعان".

يجلس عثمان في بيتِه وهو ابن ثمانية وثمانين عامًا، فيحاصره أهلُ الفتنة أكثر من شهر، لا يزيده ذلك إلاَّ قربًا من القرآن وتعلُّقًا به، حتى تأتي ساعة السَّحَر وهو صائم، فينام ثم يستفيق فيقول لزوجته: إنِّي مقتول الليلة، فتقول: لا يا أمير المؤمنين لن يفعلوا، فقال: لقد رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وقالوا لي: "ستفطر عندنا الليلةَ".

فأقبَل على القرآن يقرؤه، فدخل عليه أهلُ الفتنة فقتلوه، قال ابن كثير: وثبت أنَّ أوَّل قطرة دم سقطَت من عثمان وقعَت على قول الله تعالى: ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: 137]، قال ابن جرير: فما من أحد شارَك في مقتل عثمان إلاَّ مات مقتولاً.

رضي الله عن عثمان، وسلامٌ عليه في الشهداء والصالحين، اللهمَّ ألحقنا به في جنَّة النعيم، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصَّتك يا رب العالمين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا

الألوكة